في إطار الدور الدبلوماسي للاتحاد الفلسطيني للهيئات المحلية في إيصال صوت الهيئات المحلية الفلسطينية إلى النقاشات العالمية، قدّم المدير التنفيذي للاتحاد، م. عبد الله عناتي، مداخلة خلال اجتماع مجالس السياسات الذي تنظمه منظمة المدن المتحدة والإدارات المحلية حول “العهد الاجتماعي المحلي” وركيزته المتعلقة بالصحة العامة، بوصفها أحد محاور صياغة العقد الاجتماعي لما بعد أجندة 2030، مستندًا بشكل خاص إلى واقع الهيئات المحلية الفلسطينية التي تعمل تحت ضغط الاحتلال، وتحديات الموارد، وتراكم الأزمات الإنسانية والتنموية.
وخلال مداخلته، شدّد عناتي على أن الصحة ليست ملفًا تقنيًا محصورًا بالمستشفيات، بل مسؤولية سياسية جماعية تتشكل يوميًا في تفاصيل المدينة والقرية: إدارة المياه والصرف الصحي، جودة السكن والفضاء العام، الهواء النظيف، النقل، والعمل والحماية الاجتماعية، مؤكدًا أن إهمال هذه المحددات يحمّل النظام الصحي أعباء كان يمكن تجنبها من الأساس.
وقال عناتي: "الصحة ليست خدمة تقنية تُقدَّم في المستشفيات فقط، بل مسؤولية سياسية جماعية تُصاغ في إدارة المياه والصرف الصحي، وفي شكل السكن والفضاء العام، وفي جودة الهواء، والنقل، والعمل والحماية الاجتماعية. عندما تُهمَل هذه المساحات، يُطلَب من النظام الصحي أن يصلح أضرارًا كان يمكن تجنّبها.”
وانطلقت المداخلة من واقع الهيئات المحلية التي لا تدير مستشفيات، لكنها تتحمّل يوميًا ما يسميه خبراء الصحة العامة “المحددات الاجتماعية للصحة”، مثل ضمان مياه شرب آمنة، وشوارع آمنة ومضيئة، وإدارة نفايات فعّالة، وفضاءات عامة نظيفة وحية. وأوضح عناتي أن هذا العمل البلدي التقليدي، حين يُقرأ من منظور الصحة العامة، يتحول إلى خط الدفاع الأول ضد المرض والوفاة المبكرة، ويصبح جزءًا أصيلًا من قصة “التغطية الصحية الشاملة” والرعاية الأولية، لا ملفًا إداريًا منفصلًا عنها، وهي حساسية تتضاعف في السياق الفلسطيني حيث تثقل القيود المفروضة على الأرض والموارد كاهل البلديات في محاولتها حماية حق الناس في حياة صحية كريمة.
كما ركّز عناتي على أن إعادة تعريف الصحة “من القاعدة إلى القمة” ليست شعارًا نظريًا؛ ففي لحظات الأزمات يتجه الناس أولًا إلى بلدياتهم ومجتمعاتهم المحلية. وفي فلسطين، يتجلى ذلك في قدرة الهيئات المحلية، رغم القيود، على ضمان استمرارية المياه والنظافة قدر الإمكان، وتنظيم الخدمات الأساسية، وتنسيق الجهود مع المتطوعين واللجان المجتمعية. واعتبر أن هذه هي صورة الصمود كما تُرى من الميدان، ما يستدعي تمكين الفاعلين المحليين ماليًا ومؤسسيًا وبالبيانات، بدل حصر دورهم في تنفيذ خطط جاهزة صيغت بعيدًا عن واقعهم المركّب تحت الاحتلال.
وفي بعد الشمول الذي يطرحه “العهد الاجتماعي المحلي”، سلّطت المداخلة الضوء على العبء غير المرئي الذي تتحمله النساء في رعاية الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، وكيف يمكن لشكل المدينة أن يخفف هذا العبء أو يضاعفه. ودعا عناتي إلى أحياء تُبنى فيها الرعاية داخل النسيج العمراني من خلال فضاءات عامة آمنة، وخدمات أساسية متاحة ضمن مدى معقول، ونقل عام فعّال، ومراكز مجتمعية قريبة، إلى جانب سياسات إسكان وتمويل محلي تعترف بأن الاكتظاظ وانعدام الأمان السكني يترجمان مباشرة إلى تدهور في الصحة الجسدية والنفسية. وأكد أن هذه القضايا حاضرة بقوة في التجربة الفلسطينية حيث تتقاطع أوضاع السكن والبنية التحتية مع الضغوط السياسية والأمنية اليومية.
وفي أفق مؤتمر طنجة 2026، وضعت هذه المداخلة سؤالًا عمليًا مباشرًا على طاولة النقاش العالمي: إذا اتُّفق على أن الصحة حق عام ومسؤولية مشتركة، فهل يمكن الاستمرار في حوكمة صحية عالمية تُدار أساسًا بين الدول والمؤسسات، بينما تتحمل المدن والبلدات والقرى—ومن بينها الهيئات المحلية الفلسطينية—العبء اليومي لحماية هذا الحق؟ وطرح الاتحاد “العهد الاجتماعي المحلي” كفرصة لإغلاق هذه الفجوة عبر تثبيت موقع الحكم المحلي في صياغة الأجندات، وتصميم السياسات، ومراقبة التنفيذ، لا في التنفيذ فقط، بما يضمن أن تُسمع خبرة البلديات الفلسطينية وخبرة المدن الأخرى التي تعمل في ظروف هشّة ضمن النقاش العالمي حول العقد الاجتماعي لما بعد 2030.

















